مجمع البحوث الاسلامية
310
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وجد المقتضي وارتفع المانع . ويجوز أن يكون هذا إشارة إلى الرّخصة في ترك بعض ما أمرهم سبحانه به حيث شقّ عليهم ، لقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم » فانتفاء الحرج على هذا بعد ثبوته بالتّرخيص في التّرك بمقتضى الشّرع ، وعلى الأوّل انتفاء الحرج ابتداء . وقيل : عدم الحرج بأن جعل لهم من كلّ ذنب مخرجا ، بأن رخّص لهم في المضايق وفتح عليهم باب التّوبة ، وشرع لهم الكفّارات في حقوقه والأروش والدّيات في حقوق العباد . ولا يخفى أن تعميمه للتّوبة ونحوها خلاف الظّاهر ، وإن روي ذلك من طريق ابن شهاب عن ابن عبّاس رضي اللّه تعالى عنهما . وفي « الحواشي الشّهابيّة » أنّ الظّاهر أنّ حقّ جهاده تعالى لمّا كان متعسّرا ذيّله بهذا ليبيّن أنّ المراد ما هو بحسب قدرتهم لا ما يليق به جلّ وعلا من كلّ الوجوه . وذكر الجلال السّيوطيّ : أنّ هذه الآية أصل قاعدة المشقّة تجلب التّيسير ، وهو أوفق بالوجه الثّاني فيها . ( 17 : 209 ) القاسميّ : أي في جميع أمور الدّين من ضيق ، بتكليف ما يشقّ القيام به ، كما كان على من قبلنا . فالتّعريف في ( الدّين ) للاستغراق . ( 12 : 4384 ) سيّد قطب : هذا الدّين كلّه بتكاليفه وعباداته وشرائعه ملحوظ فيه فطرة الإنسان وطاقته ، ملحوظ فيه تلبيته تلك الفطرة . وإطلاق هذه الطّاقة والاتّجاه بها إلى البناء والاستعلاء ، فلا تبقى حبيسة كالبخار المكتوم ، ولا تنطلق انطلاق الحيوان الغشيم . ( 4 : 2446 ) نحوه مكارم الشّيرازيّ . ( 10 : 363 ) عزّة دروزة : وجملة ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ذات خطورة تستدعي التّنويه ؛ من حيث إنّها تتضمّن تقرير كون اللّه عزّ وجلّ قد يسّر على المسلمين الأمور ، فلم يحمّلهم في دينهم ما لا يطيقون ، ولم يجعل عليهم فيه إعناتا وشدّة ، وجعل لهم فيه لكلّ ضيق فرجا ولكلّ عسر يسرا . وهذا المعنى قد تكرّر في سور عديدة ؛ بحيث يصحّ أن يقال : إنّه ممّا امتازت به الشّريعة الإسلاميّة عمّا قبلها . وقد أشير إلى هذا المعنى في آية سورة الأعراف : 157 . وممّا يصحّ أن يذكر في صدد ذلك « باب التّوبة » الّذي فتحه اللّه على مصراعيه لكلّ النّاس وفي كلّ حال ، على ما شرحناه في سياق سورة الفرقان . ثمّ تحليل الأطعمة المحرّمة عند الاضطرار ، والرّخص الكثيرة المتنوّعة كالتّيمّم وصلاة الخوف وتحلّة اليمين ، ثمّ إباحة الاستمتاع بزينة الحياة الدّنيا والطّيّبات من الرّزق ، وحصر المحظورات في الخبائث والفواحش والبغي والشّرك والمنكرات من الأخلاق الشّخصيّة والاجتماعيّة ، وإباحة كلّ عمل وتصرّف للمسلم خارجا عن هذا النّطاق . وقد أشير إلى ذلك في آيات سورة الأعراف 31 - 33 و 42 وعلّقنا عليه تعليقا يغني عن التّكرار . ولقد أراد فريق من المؤمنين المخلصين نبذ الطّيّبات الّتي أحلّها اللّه زهدا وتورّعا وتقرّبا إلى اللّه ، فنهاهم اللّه عن ذلك في آيات سورة المائدة : 87 ، 88 ، وقد كانوا تعاهدوا فيما بينهم وحلفوا ، فأنزل اللّه هذه الآية